يعتبر التواصل نقطه بداية لتعارف الأفراد وترابطهم بغية خلق مجتمع , الذي يخلق دولة تصبح بدورها حضارة ويصبح ذلك التواصل الأول هو ثقافتها التي ستٌعرف بها فيما بعد ، تلك النواة الأولى التي تشكَلت بين شخصين تواصلا عبر الفن . نسمع كثيرا عن أهمية أن يكون كل واحد فينا شخصه، أن يكون على طبيعته ومن هنا يبدأ منطلق فكرة الفن وأهميته ,هذه الطاقة المسماة “فن”  موجودة في كل تفاصيل حياتنا, في كل فرد منا, في طريقه كلامه واختياره للكلمات, في أسلوب حياته, في طريقته في التعبير عن مكنوناته ، فمنَا كاتب خدمته الكلمات ليُخرج ما بخاطره ومنا شاعر تخرج منه الكلمات مرصوصة بقوافي ومنا مغني يُجيد اختراق الحواس بصوته، ومنا موسيقي يخرج طاقته على شكل نوتات و ألحان، ورسام يقصٌ الحكايا بريشته وألوانه ، مصمم بتنوع مجالاته يغير العالم بلمسته وطبيب يقدم عمره لإنقاذ الناس وفلاح يحن على أرضه بطريقته الخاصة ونجار وخباز وحداد وصياد وسائق وصانع حرفي، ميكانيكي كان أو مصلح وتاجر ومخترع وطيار ، قد تخونني الكلمات والسطور لأذكر كل المهن التي قد تجول بالخاطر لكن كل من يقوم بعمله بطريقته الخاصة بحب، بإخلاص، بإتقان، بتفان، كل من يضيف للشيء العادي أمرا خاصا به ليخرجه من مظهره العادي  ليصبح هذا الشيء هو طريقته الخاصة في التعبير عن نفسه .

الفن هو قدرتنا على الاستمرار رغم الفشل, قدرتنا على الحب رغم الخيبات المتكررة, الفن هو ذلك الشعور الطفولي الذي يبقى بمكنوناتنا رغم تواتر المحن علينا, هو أن يبقى باستطاعتنا الاستمتاع بكوب القهوة الصباحي, هو ذلك الشعور الذي يخالجنا  عند هطول أول قطرات المطر ، هو ذلك الكم الهائل من الاهتمام الذي نبذله و نحن نلف هدية لعزيز ،هو تلك الأفكار التي نستنزفها في تحضير مفاجأة لقلب تهمنا بهجته ، الفن موجود في حياتنا كما الهواء ، موجود في رائحة التراب ، و صوت الأمواج و لون البحر صباحا ،و صوت الديك فجرا ، في نسمات الخريف الأولى بعد صيف حار ، في وجبة لذيذة ، في أغنية لم تعجبنا ، في خربشات على جدران زنزانات المساجين …

و هذا الفن بحد ذاته سلاح ذو حدين ، فكما قد يعزز التواصل و يربط الأمم على سبل السلام ، قد يكون ساما في صور أخرى ، حيث يكون منبعه طاقة سلبية تفننت في صنع سلاح ، أو في فئة تفننت في عقد التآمرات و شن الحروب أو كما يعرف بفنون الحرب، قد يكون هذا الفن ساما حين يخلق اختلافات اجتماعية و طبقية و تقتصر المعارض مثلا على الطبقة المخملية من المجتمع ، ذلك الاختلاف الذي عوض أن يبرز ثروة للتكامل يخلق جوا من العنصرية و التحيز ، فيصبح الفن نقمة بعد أن كان نعمة لم نستثمرها في الطريق الصحيح .

أما الأمم التي تفطنت لأهمية النعمة التي لديها و عرفت أن ذلك الفن هو ثقافتها و التي بدورها تعود لطبيعة المحيط الذي تنشأ و تتكون به ,تعود للمكان و المعتقدات ,لتوّلد منها فيما بعد حضارات تحكي قصة ثقافة ترسخت في وقت ما , فمثلا اعتاد المصريون على أن يعبدوا الإله عند شروق الشمس  و أنه ينضحل مع غروبها فبنوا معجزة كالأهرامات تجسد عمق التفكير و الفن الذي لم يخلق ما يشبهه , بالإضافة إلى تفننهم في التحنيط و العناية بالجمال و غيرها من الفنون التي تعود في أصلها إلى ما اعتقدوه آن ذاك , و عرف أهل بلاد الرافدين قيمة نهريهم و آمنوا أن الثروة تأتي منهما  فخلقوا حياة حول ذلك , أما الإغريق فآمنوا بمثالية العالم فشيدوا مبان قريبة من المثالية , و الأمثلة عديدة عن شعوب عرفت قيمة ما لديها ,استغلت ثقافتها و شخصها لبناء حضارتها , كما توجد أمثلة عن شعوب لم ترضى بثقافتها و بقيت تتطلع دائما لثقافة غيرها بمثالية فلا هي أصبحت مثل تلك الشعوب و لا هي تبنت ثقافتها الحقيقية , فبقيت عالقة بين ما هي عليه و ما تريد أن تكون .

و هذه الثقافة التي ينبع منها الإبداع فيما بعد ، تكون نتاج عدة عوامل منها المحيط و التربية و التعليم لتتكون , مثل حياة تكوُن الأصداف التي تبدأ من النواة ثم تتشكل قشرتها لتبدأ في حمايتها من هول الأمواج و تواترها ، ثم كلما زاد عمرها تتشكل قشرة أخرى تغطيها ثم في آخر دورة حياتها تظهر لنا بتلك القشرة الأخيرة الجميلة المزركشة تخفي القشور الأخرى التي كانت تَراكماً  لكل ما مرت به  في أعماق البحار ، إذن فثقافتنا أمر شبيه بحياة هذا الكائن المعجزة  ، حيث اننا نمر بتجارب تبنينا و نلفها حولنا ، نقرأ كتب تغذي أدمغتنا ، نشاهد, نكتشف ، نسافر و نتجول ، نلقي نظرة على ثقافة غيرنا و نتعلم منها ، لننتهي بقشرة تمثل نتاج كل ما عشناه من تجارب ، تمثل اعتقاداتنا و قناعاتنا ، نظرتنا للحياة و قدرتنا على التعايش ، و هذه النقطة في حد ذاتها تجمع بين الفن و الثقافة.

 فالثقافة هي تراكم لكل المكتسبات التي تغذى عليها الإنسان أما الفن فيأتي ليتوج تلك الثقافة عبر قدرة المرء على التعايش مع الاختلاف ، أن يحب و يتقبل من لا يشاركه نفس الثقافة بالإضافة إلى الليونة و هي قابلية الإنسان أن يضفي تغييرا على ثقافته و معتقداته أن يقبل أنه كان على خطأ و أن رأيه صحيح يحتمل الخطأ و رأي غيره خطأ يحتمل الصواب ، قدرة الإنسان على النقاش الواعي و البَنَاء هي ما تجعله فنانا في الثقافة .

بقلم إيمان ڨرايشي

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here