شاءت الأقدار أن تنبُعَ أُولى و أصدق أفكار العبثيَّةِ مِنْ أرضِ الجزائرِ عن طريقِ أعمال ألبير كامو ( الغريب، المنفى و الإمبراطورية، أسطورة سيزيف ) . و قدْ أسمع العبثُ أصفى أصواته من أراضي الجزائر : من شواطئ العاصمة، من واحات بوسعادة و مزارع الكروم بالذرعان .

قبْلَ أن نغوصَ في فكرِ العَبثِ, دَعنَا نَشْرح معناه: لغويا العبث هو ما لا معنى لهُ أما فلسفيا فالعبثية مذهب ينصُّ أنَّ الوجود لا هدفَ مِنْهُ و أنَّ كُلَّ الأقدار لا تتعدَّى الصُّدَفَ. و بالتالي لا فائدة من وضع قيودٍ و قوانين تُقَيَّدُ الوُجودَ و السلوك الإِنساني ما دامت النِّهايةُ واحِدةً: الموت و التلاشي و الفناء.

الحقيقة واحدةٌ : إنَّ الموتَ ألقى بظلالِهِ على الواقعِ المعاش بالجزائرٍ، حيثُ أن الجزائري ألقى بهذا المفهوم إلى التبسيط المطلقِ ابتداءًا من استعمالِ لفظ الموت بشكل عاديِّ بكلامه : « نجيك نقتلك ». « نضربك نقتلك ». « أسكت و لا نقتلك »
ضف إلى أنَّ الموتَ و القتلَ يُخيِّمُ على مكوِّنات شخصية الجزائري .
فهل الجزائريُّ عبثيٌّ بطبيعتِهِ أم أنَّهُ ضحيَّةٌ للعبثيَّةِ ؟
في مسرحيته « البابور غرق »، يؤدي الممثل العظيم سليمان بن عيسى مشهدا لا يُنسى عن حوار مع جدِّه (أو جدِّ كل الجزائريين) يروي فيه عن أيد تبحث عن شعب لم يجِدْ نَفسهُ بعد. و في كلِّ مرَّة يقتربُ الشعبُ من إيجادِ نفسٍهِ يتدخَّلُ مستعمِرٌ ما لِيُلهيهِ عن نفسهِ في مُحاولة لفرضِ قدرِِ.

ما أو هدفٍ ما عليه. فننتقِلُ مِن الإغريقي الذي يغتصب عذرية شواطئ الأطلس التلي، إلى الروماني الذي يفرض على الجدِّ حصدَ السنابلِ، ثم الوندالي الذي يريد بيعه في أسواقِ النخاسةِ فالعربي الذي يحمِلُ رِسالةَ السِّلمِ فوقَ السَّيفِ متبوعا بالتركي الذي طاب له المقامُ بعد طرد الاسبانِ، فالفرنسيُّ الذي استعمل البلاد و العباد لكلِّ شيءٍ عدا أن تكون للعباد بلادٌ و للعبادِ بلاد.

تبدأَ بذلك مرحلة جديدةٌ من الإدراكِ يُدرك فيها الفرد الجزائريُّ جزائريَّتهُ، لِيُدرِكَ أن له الحقَّ بِدورِهِ ليعيشَ عبثَهُ لا عبثَ الغَيْرِ ، صحوةٌ قصيرةٌ من كبوةٍ طويلة ألقتْ بالمستعمرِ و الإمبريالية إلى البحرِ. بدا آنذاك كلُّ شيءٍ واعدًا و بدا كل باب مفتوحا، بَيْدَ أنَّهُ و بعد نشوةٍ قصيرةٍ وجد القوم أنفُسَهمْ في حمامات دمٍ لا تنتهي ، تارة خفيَّة و تارة مجازر بارزة تجذب الأنظار بدمائها المنبثقةِ في تُجاه كُلِّ صوبٍ و حَدبٍ, إلى أنْ أمسى كلُّ شيءٍ أحمرًا في عشرية حملت إسم العشرية السوداء بِشكلٍ غريبٍ ( لأن الموت و اللَّون الأحمرَ تملَّكا كلَّ شيءٍ حينذاك ) .

مع ذلكَ يبقى الموتُ عُنصرا حاضرا و عنيدا لا يسقط، يراقب الواقع الجزائري ليلا و يحرسهُ، لِيَسْخرَ كُلّ صباح متباهيا بقُوَّته. لكن، أضحى الموت بديهيا، مرحلةً بسيطةً لا يكترث لها مُجتمعٌ في حالةِ مدِّ و جَزرٍ لا ينتهيان بين التدمير الذاتي و العنادِ الشديد للتمسك بالوُجودِ رغم عبثيَّتهِ.

إنه عبثٌ مفروضٌ أَضحى سُلوكًا لا إراديا: لِنتذكَّر قليلاً تجرُبةَ بافلوف الشهيرة:  » قام بافلوف بوضع كلب داخل صندوق مجهز بجرس يرِنُّ كُلَّ مرة يُقدَّمُ فيها الطعام للحيوان، بعد مُدةٍّ قام بافلوف بحذف الطعام و قَرعَ الجرس ليُلاحظ أنَّ الكلب أصبحَ يُفرز اللعاب الذي يُفرزه عادة عند الأكل عند سماع صوت الجرس فقط . أي أن الكلب أصبح يربط بطريقةٍ لا واعية وجود الأكل بسماع صوت الجرس. »
هذا ما يُسمَّى بربطِ منعكسٍ شرطي بمُنعكسٍ شرطي، ببساطة فإنَّ الجزائريَّ رُبِطَ طويلا بدقاتِ العبثِ حتى اقترن وجودهُ بوجودِ العبثِ. من ذلك أَجدُ نفسي أمام استنتاجٍ شخصيٍّ: إنَّ المعاناة الطويلة و التراجيديا التاريخية جعلت العبث واقعا محتوما لا خيارا طبيعيا. لو كان العبثُ و الفناءُ طبيعة لهذا الشعب لاختفى و انبرى كما اختفى الهنود الحمر، كما اختفى الآبوريجان من أستراليا .

إنَّنا نأخذ الموت و ننظر إليه مباشرة في الوجه لأنَّنا أنِسنَاهُ ، لأنَّنَا نمتلك الثقة بأنّنا كنَّا و سنكونُ دائِمًا هنا . إذا الشعب يوما أراد الحياة ، فلا بد أن يستجيب القدر و على هذه الأرض، سيِّدة الأرض: كانت تسمى الجزائر، صارت تسمى الجزائر و ستبقى الجزائر…. على هذه الأرض ما يستحق الحياة .

عماد أمازيغن بوبشو

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here