حين تلامسها، تلامس مواويل ضاربة في العمق من آلاف السنين ليتسلل إليك عبر نوتاتها الجارفة ببعض من السر المتاخم بشهاقة وصرامة أعنان الهڨار المكابر في الزمن.

هي آلة وموسيقى تعزفها المرأة للرجل وغالبا ماتعزف في الظلام ويحرم على الرجال لمس هذه الآلة كون الإعتقاد السائد قديما أنه نتيجة هذا الفعل سيصاب الرجل أو قبيلته بمكروه.

وعن نشأة الإمزاد يروي الطوارق أنّ حربا نشبت بين قبائلهم، فبادرت امرأة منهم بصنعها وراحت تعزف عليها وإذا بسماع الرجال المتحاربون لهذه الموسيقى ألقوا أسلحتهم وجنحوا للسلام. ويروي البعض أنّ الأم الروحية لتوارق أو الملكة « تنهنان » قالت إنها صنعت الإمزاد من عرف جوادها ومن نبتة الأرض معجّزة للرجال ذوي الشهامة والأناقة. في حين تذهب كتابات تاريخية إلى أن تنهنان استغلت حسنها وجمالها لتسيطر به سياسيا على منطقة مزدهرة أنذاك وحكمت عددا كبيرا من القبائل كانت تسمى « امزاد »

الإمزاد عبارة عن قدح من خشب يربط على فمه جلد شاة، ويخرج من طرفيه عودين يشد بينهم قضيب من شعر الخيل، كما يثقب الجلد ثقبين أو ثلاثة في الوسط، ويأخذون عودا على شكل هلال ويربطون طرفيه بقضيب من شعر ذيل الخيل ويدعكون الشعر بعضه ببعض ليصظر صوتا جميلا وهذه الآلة أشبه ماتكون بالربابة العربية والكمان، لذا تعتبر آلة الإمزاد من أجود الآلات الموسيقية وهي شديدة التأثير على الطوارق خصوصا الرجال منهم وتستعمل في الطرب والغناء الذي يؤثر في النفوس والعواطف.

ويرافق هذه الآلة غناء في السهرات الترقية تتضمن كلماته معاني الحب والشوق كما تتضمن معني الشجاعة والحرب ويتنوع غناء الطوارق حسب المقام ،إما غناء بالأمجاد والبطولات وإما التشبيب بالحبيبة في الطرق الطويلة أو غناء مناسبات يردد أشعارا وضعت قديما في موضوع المناسبة .

والقصيدة الإمزادية تتميز عما سواها من القصائد لأنها تأتي على فترات تنتقي فيها المرأة أجمل القصائد وأعمقها لتؤديها بينما يلتف الرجال والنساء حولها للإستماع إليها ،وتتراوح مواضيع القصيدة بين الغزل والوصف والمديح وأحيانا تصل إلى الذم.

من أشهر عازفات الإمزاد :

أميرة الوتر الواحد « داسين ولت إيهم »

تذهب الروايات أن داسين لها طقسها الخاص الذي تعزف به  »الإمزاد » ويتمثل في إعتزالها ثلاث أيام قبل العزف ،وهي من إحدى جميلات الأهڨار فتن والتي نسجت على حياتها العديد من الحكايات البطولية والأساطير وعرفت بقوة شخصيتها المحترمة وهي التي قالت عن إمزادها « إنه أخي الذي لم تلده أمي » .

عميدة الإمزاد « بن عمر ترزخ »

تلقب بعميدة موسيقى الإمزاد للتاسيلي ناجر ،وهي سفيرة موسيقى الإمزاد في العالم لتمكنها من رفع موروثنا إلى العالمية من خلال قصائد تغنى التاريخ المعاصر والحياة اليومية والعادات والتقاليد.

وعملت الفنانة بصفة جادة ومجهود لا يعرف الكلل والملل في تثمين الإمزاد كما مثلت الطابع الصحراوي الجزائري الأصيل في عدة بلدان العالم نذكر منها فرنسا،إيطاليا ،إسبانيا واليابان. حيث سعت الفنانة خلال حياتها إلى تلقين هذا النوع الخاص من الموسيقى إلى الجيل الصاعد من الفتيات بمدينة جانت، كما نظمت ورشات تعليم الإمزاد للفتيات الصغار في بيتها.

توفيت عام 2009 عن عمر ناهز 84 سنة، وبرحيلها تكون الجزائر قد فقدت رمزا من رموزها التي تغنى بالتراث الثقافي اللامادي للجزائر وتكون بذلك منطقة الطاسيلي قد فقدت جزءا من الموروث الثقافي الشعبي العريق الذي مافتئت نساء وجميلات المنطقة تعمل على الحفاظ عليه كتعبير ثقافي عن الهوية الجزائرية .

بين جبال الأهڨار والطاسيلي بدأت قصة أحادية الوتر…الإمزاد آلة وجدن فبها نساء الطوارق الملاذ الروحي والصوفي وجعلها الرجل الأزرق وسيلة مهمة في التعبير عن الإنفعالات وللتنفيس عنها وكذلك التعبير عن الأفكار وتجسيدها.

مكانة الامزاد عند الشاعر الترقي :

اليوم الذي أموت فيه لابد ان تدفنوني في قطعة بيضاء ناصعة من الكتان مثل أوراق الكاغط وصدقوا عني ثلاث أغنيات من غناء الإمزاد والفاتحة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here