Les Femmes d'Alger. Attribué à Alexandre Marie Colin
Les Femmes d’Alger. Attribué à Alexandre Marie Colin

لم يكن احتلال فرنسا للجزائر وليد الصدفة أو الغضب. بل كان قرارا ممنهجا ومخططا له منذ سنوات، ينتظر لحظة التنفيذ فقط. احتلال تعددت أسبابه وأهدافه وأشكاله، لذلك جندت له الحكومة الفرنسية إلى جانب العسكريين، كل من رجال الدين والسفراء، والتجار، والصحفيين، والكتاب والفنانين. لحشد الرأي العام الفرنسي لتقبل ودعم قرار الحرب من جهة، ومن جهة أخرى للتقرب من السكان المحليين، استمالتهم وإقناعهم بأن فرنسا جاءت لنشر الحرية والعدالة والحضارة.

ليطلق على أولئك فيما بعد لقب « المستشرقين »، وهم المهتمون بدراسة الشرق حضارة، وتاريخا، وثقافة، وعقيدة، ولغة. عام بعد عام، وعقد بعد عقد ،وعلى امتداد سنوات الاحتلال الفرنسي للجزائر توافد المستشرقون على المستعمرة الجديدة وتشعبت مهامهم وأهدافهم، وتنوعت إنتاجاتهم العلمية والأدبية والفنية.

وبالعودة إلى الأعمال الفنية نجد بأن لوحات الرسامين الفرنسيين صورت المناظر الطبيعية في الجزائر ومظاهر الحياة فيها. والتي شملت الممارسات اليومية للسكان، العادات والتقاليد، الأزياء، المهن ، الأسواق، المعمار، الأعياد والمناسبات. كما استطاعت أيضا تصوير المرأة الجزائرية وهو الأمر الذي كان يبدو مستحيلا نظرا لطبيعة المجتمع المحافظ آنذاك .

ربما هذا الغموض الذي أحاط بالمرأة الجزائرية هو ما أدى إلى تنوع أشكال رسمها، إذ جسد الرسامون في لوحاتهم شخصيات نسائية من طبقات اجتماعية وأعراق و مناطق مختلفة. سواء كانت امرأة بسيطة تتجول بحرية في الأسواق والأزقة أو تحضر الطعام أو تتحدث مع الجارات أو ترقص وتغني في الأعراس. أو أميرة تلبس الحرير وتتوسط الجواري. أو بورتريه لنساء نايليات، تارقيات، موريسكيات ،شاويات وقبائليات، بملابسهن وحلييهن التقليدية.

لتظهر المرأة في لوحاتهم و هي بكامل أناقتها. تلبس ثيابا حريرية فخمة بهيجة الألوان، يمتزج فيها الأحمر و الأخضر والأزرق والأصفر بدرجات متفاوتة، ومتناسقة يتخللها تطريز ذهبي. وتزين الحلي الذهبية أو الفضية أو النحاسية أصابعها، وتتوزع حول يديها ورجليها وخصرها، وتتدلى من رقبتها وأذنيها. كما تغطي رأسها قطعة قماش حريري مطرز ومزين بالمجوهرات.

فزركشة الملابس والأفرشة ، وزخرفة المكان وتدرجات الألوان بين الفاتح والداكن، وتفاوت الظل والنور، كلها تفاصيل استخدمت لتبرز سحر المرأة الجزائرية ،وتمنحها مظهرا أنثويا مغريا ،إلى جانب جمال الملامح وفتنة الجسد. حيث صورت لوحات المستشرقين النساء الجزائريات بشعر أسود طويل منسدل، بشرة بيضاء ناصعة أو سمراء صافية ،خدود وردية ،شفاه حمراء ممتلئة، عيون سوداء واسعة بنظرات ساحرة، وقوام ممشوق بإنحناءات مغرية تبرزها حركات الجسم ووضعيات الوقوف والاستلقاء.

Danse au harem - par Edouard Frederic Wilhelm Richter
Danse au harem – par Edouard Frederic Wilhelm Richter

هذا الظهور الفانتازي المبهر للمرأة الجزائرية في لوحات المستشرقين، جاء بناء على انطباعات واقعية ،مضاف إليها تفاصيل تخيلية ، مستمدة من حكايات الشرق الغامض الساحر، لتثير الحواس والنزوات. ليكون الهدف منها هو دعوة الفرنسيين لزيارة الجزائر وتشجيعهم على الاستيطان فيها.

إذن فقد استخدموا المرأة كطعم لجذب المفتونين بسحر الشرق ، تدعوهم لاستكشافه والبقاء فيه، وبهذا يكون الفن التشكيلي الاستشراقي قد خدم الوجود الاستعماري ولم يقدم نقلا واقعيا حياديا لصورة المرأة الجزائرية.

وسواء كانت رسومات المستشرقين حقيقية أو متخيلة فلا يمكن إنكار جماليتها وجاذبيتها وقيمتها الفنية واتخاذها كجزء من التراث الشعبي الجزائري ومرجعا مرئيا يؤرخ لمرحلة مهمة في تاريخ الجزائر.

خديجة.م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here