بنيّتان وولد، يسابقون القطار بعدوهم البطيء طريف الطّريقة، على أرض واسعة، تراب وعشب وبعض الأنعام، وكوخ ليس ببعيد أشبه ما يكون بكوخ جدّة ليلى ذات الرّداء الأحمر، لا أملك له وصفًا دقيقًا ولكنّه قديم بقدم الحكاية أو أقل. على بعد بعض الحقول فِتية آخرون يرمون نفس القطار بالحجارة، كنت أفعل هذا وأنا في مثل سنّهم ولكن مع قطار البضائع. كان السّائق يمطرنا بالشّتائم ويتوعّد، لكنني أواصل الرمي محاولا إقناع نفسي بمشروعيّة ما أفعل، فأنا لا ألحق ضررًا ببشرٍ. كان الشّعور بالتّمرد جميلاً، لا أدري سرّه ولا تفسيره فقد كنت أفعل هذا وهمّي الوحيد، لا تخبروا أبي، لا تخبروا جدّي

وأنا على هذا القطار، أكتب هذه الأسطر…
اعتدت رؤية مناظر كهذه، بل كلّ ما يمكن أن تراه خارج المدن هو ما سبق أن ذكرت بالإضافة إلى ما لم تبطش به أيادي البشر من طبيعة. ودَدت لو تنبّه مسؤولو شركة النّقل لسوء حال زجاج النّوافذ وقاموا على تنظيفه دوريًا، عسى أن لا يطول حرمان المواطن من ما تبقّى من هذه الأمور البسيطة التي تقيه من التشاؤم ولو لساعاتٍ.

بعد أن فاز القطار بالسّباق وابتعد مشهد الفِتية تساءلت ولازلت أتساءل: ألا يمكن لأيّ منّا أن يشعر بسعادة تضاهي تلك التي يشعر بها أولئك الثلاثة؟ فقرٌ، بساطة ، وسلام.

كانوا محرومين ربّما، ولكنهم حقّقوا الغاية الّتي نبتغيها من توفير كل ما حرموا منه بلا شيءٍ. نفني الحياة في الدراسة إيمانا بأنّها مفتاح وحيد لأبواب العمل، وبعد إيجاد هذا الأخير نطمح لما هو أكبر، منزلٌ، فسيارة..
ثم نفكّر في إنشاء عائلةٍ والتي من المفروض أن تنشئ قبل كل ما سبق. لِنصل ربّما إلى تلك الغاية (إن توافقت العقليات وتجاوز الشّركاء التّفاهات والخلافات والتزموا بالأولويات سواء تعلّق الأمر بالدّين، المبادئ، التفكير، القرارات، أو حتى الماديّات)، التي تتمثل في الشّعور بالسّعادة والهناء، بالسّكينة والرّخاء، ولكن بعد ماذا؟ سنين وسنين، مشاكل وعقبات، ضغوط الدّراسة، ضغوط الالتزام بعقود العمل، مشاكل اجتماعيّة، عقد مجتمعيّة، أعراف خرافية لا علاقة للدّين ولا حتّى للفطرة التي فطرنا عليها بها.

لست أحقن مشاعركم يأسًا أو بؤسًا ولست ضدّ منح أحلامكم فرصًا، فقط أحاول تجسيد الواقع في كلمات. جميل هو التّفاؤل والأجمل هو التّخلي عن التّمني والتواكل. قصص النجاح ملهمة ولكنها أحيانًا تستفزّ المعطيات الموجودة على أرض الواقع، فمنها قصص النّجاح الباهر التي نقرؤها هنا وهناك، تعيشها أقليّة من أقليّة من أقليّة في هذا العالم، ومنها أشباه قصص النّجاح وهي وسيلة بيد بعض الأذكياء الذين جعلوا من البعض (البعض الكثير) جسرًا نحو الشّهرة التي تساوي النّجاح في قواميسهم، لكن « لا تجعلوا من الحمقى مشاهير »
نجد هذه المقولة هنا وهناك وكلّ منّا يرى هؤلاء الحمقى أشخاصًا معيّنين، قد نصيب أو نخطئ في تحميقهم، وهذا يعتمد على نسبة الحمق بنا أصلًا..
ومنها قصص النّجاح المعقول تستحق أن نستلهم منها العبر، لا اتّباع نفس الخطوات، فكلنا مختلفون ولكلٍّ طريقة قد تعسُر أو تيسُر على الآخر.

تحقيق السّعادة أبسط وأسهل من كل ما ذُكر ولكنها سهل ممتنع، تحصيلها يكون بالقناعة والرّضى التّام أولُا ثم العمل ثانيُا، ولكن كم من شخصٍ له عليك حقّ سيدفع بك نحو رغباتك دون اشتراط؟ كم من شخصٍ له عليك حقّ سيحاول وإن خالفك أن يُظهر بعض الرضى؟ نحن بحاجة لإحاطة أنفسنا بأشخاص إيجابيّين فاعلين لا مجرد قائلين، كم من شخص ليس له عليك حق سيحاول على الأقلّ أن يمسِك عنك لسانه؟

ستضطرّ كذلك إلى تجاهل ظنِّ النّاس بك، ستجد أنّ هذا يدفع عنك إطلاق الأحكام ولو قليلا ويحقّق لك بعض السعادة.
وكما نعلم أنّ البعض والبعض كمّ، فهذا البعض والهناء والسّكينة في البيت مع الأهل بعضٌ وسعادة الإحساس بالنّعم بعضٌ، وسعادة التّحرر من الخرافات التي فرضها المجتمع بعضٌ، وسعادة امتلاك البعض بعضٌ،
بتفكير إيجابيّ كهذا لن يفسد هذا الكمٌ سوى غياب البعض فكيف له أن لا يغيب؟
مجددا وبعبارة أبسط: ألا يمكن بلوغ تلك السعادة؟
و لازلت أتساءل..

بقلم :علو مصعب

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here