طاولة مستديرة، ستة أشخاص من أربع جنسيات مختلفة، على الطاولة شاي روسي، الزمان ليلة من الليالي الصيفية الدافئة في أوروبا الشرقية، أما المكان؟ فشقة في قلب العاصمة التشيكية براغ.

كنتُ قد بلغت براغ فجرا مع أربع من أصدقائي، كانت ساعتي تشيرُ إلى الخامسة صباحا، ولم تكد الشمس ترسل أول أشعتها الذهبية حتّى حال بينها وبيننا ضباب كثيف يُنذر بأنه يوم ماطر. نحن خمسة متطوعين من الجمعية الطلابية الدولية آيساك، نشارك معا في مشروع تطوعي في جنوب غرب بولندا، ثلاث جزائريين، أنا ونزيه وزينو، تصحبنا لونا من كوريا الجنوبية، و مانغو من هونغ كونغ، أراد خمستنا أن يزور “مدينة المئة برج” في نهاية الأسبوع، فقررنا أن نذهب سويّة. ست ساعات في الحافلة قضيتها نائما، مقعد تلك الحافلة أريح من سريري في الإقامة الجامعية بالجزائر. نعم فحافلتهم مربوطة بشبكة الأنترنت، وفيها مرحاض نظيف أيضا، أشياء لا تتوفر في الإقامة وإن توفرت فإنها للاستعمال المحدود.

مشينا أولا صوب الشقة التي ستقيم فيها الفتاتان الآسيويتان، مالكة الشقة امرأة روسية في منتصف الخمسينات، إسمها تانا، نزع عنها الدهر حسن الروسيات، لكنه لم يقدر أن ينتزع منها حسن الروح وصفاءها. سمحت لنا أن ندخل جميعا لمنزلها، أين أخذنا قسطا من الراحة ريثما انقشع الضباب وصار الجو ملائما للسفر والتقاط الصور. مررنا بمعالم المدينة، جسر شارل الشهير المكتظ والمزدحم بالسياح، لم أر أكثر منه زحمة سوى سوق مدينة شرشال في شهر رمضان، أو مسجد حينا في صلاة الفجر يوم ضرب زلزال خفيف ليلا، أو المركز التجاري في باب الزوار يوم التخفيضات. كانت تانا قد حذّرتنا من كثرة اللصوص في ذلك المكان، اللصوص الموجودون هناك أكثر بقليل من أولئك الموجودين أمام حافلات نقل الطلبة في بلدي. لكن ذلك الجسر مكان ساحر، لا تكاد تخطو خطوة إلا وتسمع لغة بلد ما، الناس يأتون هنا من كل أصقاع الأرض، فالمرور ببراغ دون المرور بجسر شارل، كالمرور بواحة من واحات بسكرة دون تذوّق تمورها، أو كالسير في سواحل القالة دون رؤية المرجان، أو كقضاء أمسية بتيميمون دون تأمّل غروب الشمس من وراء الكثبان.

أما القصر التاريخي المتربع في تلّة أعلى المدينة… فحكاية أخرى. تطل منه فترى أسقف المنازل بلونها الآجوري الجميل، في الجزائر لا تحتاج إلى الصعود للأعلى لرؤية اللون الآجوري، جلّ المنازل غير مكتملة البناء من الخارج وغير مصبوغة، فنحن الجزائريون نعلم أن الجمال الحقيقي هو الجمال الداخلي وليس الجمال الخارجي… تبّا كم نحن رائعون ! يتخذ رئيسهم من القصر منزلا له، ويحيط به الحراس من كل جانب، لا أدري إن كانوا يحفظون أمن رئيسهم أم أمن تلك التحف الفنية المحفوظة بين أسوار القصر. السير بين معظم أجزاء ذلك المعلم التاريخي مجانية، على عكس حي اليهود الذي يبعد عنه ببضع دقائق مشيا على الأقدام، حيث ينبغي أن تدفع المال كي تدخل لحيهم، أخبرتنا تانا بذلك: “لا أدري لماذا يقبضون المال على من يريد أن يسير بين منازلهم ومن يريد أن يرى قبور موتاهم، أَعجبُ لمن يريد ربح المال من كل شيء… حتى من الموتى”.

ما إن إنتهينا من زيارة أبرز معالم المدينة، حتّى تلبّدت السماء بالغيوم ونزل مطر غزير، كأن المطر في براغ أجّل هطوله و أمهلنا بضع ساعات كي نستمتع بزيارتنا ريثما يحل المساء فيُرينا وجهه الغاضب، أو أن الجوّ هناك أراد أن يعبر بنا جميع الفصول في يوم واحد، ضباب خريفي في الصباح، شمس صيف حارقة منتصف النهار، مطر شتوي غزير في المساء، و ليلة ربيعية دافئة، أو ربما لم يكن الجو وراء سحر تلك الليلة، وبالتأكيد ليست البيتزا التي تقاسمناها في ذلك المساء في منزل تانا، بل كان حديثها هو السبب…

كنا قد أن أنهينا العشاء حينما حلّت بالمنزل وعزمتنا على شاي روسي من إعدادها، وراحت تكلمنا بلغتها الإنجليزية المتواضعة، تحاول تنسيق الأفكار وتصريف الأفعال بصعوبة. ولما عرفت في سياق الحديث بأن ثلاثة منّا ندرس الطب توجّهت لنا بسؤال:
– هل أجد عندكم وصفة تساعد مريضا كان في غيبوبة لعدّة أيام؟

تبادلنا ثلاثتنا النظرات، نظرت إلى نزيه ربما أجد في جعبته معلومة حفظها من دروس الهيستولوجي أو الأناتومي أو الفيزيولوجي، لكن ما من معلومة قد تُفيد، و كان أكثر ما خشيناه أن تُجيب مانجو، طالبة الطب من هونغ كونغ، فيجد الطالب الجزائري نفسهُ مُحرجا دوليا، لكننا تنفسنا الصعداء عندما علمنا بأنها لا تملك أدنى فكرة عن ذلك، وعادت ثقتنا في المقررات التي ندرسها.
– لا نملك أن نقول لك غير اتّباع ما أوصاك به الطبيب، لكن من المريض؟
– إنه زوجي، أجابت تانا.
صمت الجميع لبرهة، ثم رُحنا نواسيها في ما حصل ونسأل عن التفاصيل.
– لقد كان عائدا لمنزله عندما سقط مغشيا عليه فجأة، الكدمات على وجهه تظهر أن السقوط كان عنيفا.
لم يكن الحادث هو الذي شدّ انتباهنا في كلامها، وإنمّل قولها “عائدا لمنزله”
– لهذا السبب أنتِ لوحدك في هذا المنزل؟

– لا، ليس الأمر كذلك، أنا أعيش لوحدي منذ بضعة أشهر، منذ أن فرّق الطلاق بيني وبين زوجي.
– نحن آسفون لسماع ذلك، لكن لم افترقتم؟
– أكثر من شُرب الخمر مؤخرا، نهيته مرارا وتكرارا، تعاركنا عدّة أيام بسبب ذلك، وعدني بأن يُقلع عنه، لكن لا حياة لمن تُنادي… فقررتُ تركه.
نظرنا إلى بعضنا البعض مرّة أخرى، لم يكن سبب تركها لزوجها سوى مصلحته، قد سمعنا من قبل قصصا كانت الاقتران فيها نتيجة الحب، لكننا لم نسمع قطّ عن قصة كان فيها الحب سببا للافتراق والطّلاق، اقترنت تلك الروسية بزوجها حبا له وتركتهُ حبا لمصلحته.
واصلت تانا حديثها:
– لقد خرج من المستشفى منذ بضعة أيام، أتيت متأخرة اليوم لأني كنتُ في منزله أعددت لهُ العشاء ورتبت له بعض أغراض المنزل.
– لازلت تهتمين به رغم كل ما حصل؟
– كيف لا أفعل وهو الرجل الوحيد الذي عرفت في حياتي، كنا ندرس معا في جامعة موسكو عندما التقينا، و عندما بلغت العشرين من العمر تزوجنا وأتينا للعيش في براغ. تقاسمنا كل الذكريات معا، حتى عندما افترقنا بقينا نزور بعضنا البعض، لقد ساعدني في ترميم الخزانة التي ترونها وراءكم وفي العديد من الأشغال المنزلية، واليوم حين أرداه المرض طريح فراش لا أقدر أن أتركه لوحده.

كانت تلك خلاصة ما قالته تانا، رغم أنها كانت تتلعثم في كلامها إلا أن عينيها نابت عن كل المفردات، قصة إخلاص امرأة للرجل الوحيد الذي عرفته في حياتها، نوع من الحب لم أجد مثيلا له في مجتمعاتنا، نقي خالص من بدايته لنهايته، تعلمت من تلك الروسية أننا قد نجتمع بإنسان لمودة بيننا، وقد نفترق عنه حفظا لتلك المودة واحتراما لماضيها، لكن ذلك لا يعني نسيان الأيام التي جمعتنا، تعلمت منها أن ليس كل ما نحب خير لنا، وليس كل ما نكره شر لنا. مودة خالصة نقية كتلك التي يحملها قلب تانا، قد ندرت في مجتمعاتنا وصنفها البعض في خانة الانقراض والاندثار، مودة لا يعرفها كثير ممن لا يزالون يرسلون دببة حمراء اليوم.

أخذنا صورة تذكارية معها، ثم انصرفت مع نزيه وزينو صوب الفندق الذي كنا سنبيت فيه، طغت قصة تانا على فصول حديثنا تلك الليلة. عدنا لمنزلها صباحا كي نودعها فوجدناها قد رحلت باكرا نحو العمل، لقد كانت تتركنا ندخل لشقتها رغم أننا لم ندفع للمبيت هناك، وثقت فينا ثقة تامة فكانت تخرج تاركة كل ما تملك وراءها، لو حدثتكم عن ثقتها فينا لكتبت قصة أخرى، أقول في مطلعها: “طاولة مستديرة، ستة أشخاص من أربع جنسيات مختلفة، على الطاولة شاي روسي، الزمان ليلة من الليالي الصيفية الدافئة في أوروبا الشرقية، المكان شقة في قلب العاصمة التشيكية براغ، والموضوع؟ … درس في الثقة من امرأة روسية”.

يوسف إزرارن

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here